دور المرأة في الأسرة
تأليف
السيد علي الحسيني الخامنئي
تأليف
السيد علي الحسيني الخامنئي
***
قال اللَّه تعالى:
»يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون«(1).
تعتبر الأسرة أهم وأخطر بيئة في صياغة الإنسان، وتكوينه النفسي والسلوكي، الذي سيترك آثاره في مجتمعه الذي يعيش فيه، وعلماء الاجتماع على تباين مذاهبهم يجمعون على أن الأسرة عماد المجتمع، وأنها إذا قامت على أسس قويمة سليمة، استقرت أحوال المجتمع وتوطدت أركانه، وإذا وهنت قواعد الأسرة، ولم يتحقق لها أسباب القوة على اختلافها اضطربت حياة المجتمع واختلَّ توازنه.
إن الأسرة هي الخلايا الأولى التي يتألف منها جسم المجتمع وبصلاحها يصلح هذا الجسم، وبفسادها يدب إليها السقم والانحلال.
ولخطورة هذه المسألة كان لسماحة الإمام الخامنئي )دام ظله( اهتمامه الكبير فيها:
»إن مشكلة الأسرة تعد مشكلة أساسية في العالم المعاصر، ترى من أين نشأت هذه المشكلة؟ من طريقة النظر إلى قضية المرأة، أم من النظرة إلى العلاقة بين الرجل والمرأة؟ فالأسرة هي فطرة طبيعية وأساسية في الوجود البشري، لكن هذا الأمر الفطري يعاني اليوم من أزمة عالمية بحيث أي أحد يتحدث اليوم عن تحكيم بنيان الأسرة في العالم الذي يسمي نفسه بالمتمدن الغربي، فإنهم يرحبون بكلامه ذاك مهما كان عادياً، ترحب به النساء، ويرحب به الرجال، ويرحب به الأطفال!«.
***
يتابع سماحته لتحديد سبب هذه الأزمة فيقول:
»فإذا درستم قضية الأسرة في العالم، والأزمة التي تعاني منها الأسرة، لرأيتم أن أسبابها ناشئة من العلاقة بين الجنسين، وتعايش الجنسين، والعلاقة التي لم تحل بين الجنسين، أو بتعبير آخر: إن النظرة إلى تلك الأمور هي نظرة خاطئة.
إذن عندما نبحث في مجموعة الأفكار التي وضعها الرجال نقول: إن النظرة إلى قضية المرأة هي نظرة خاطئة، ويمكن القول أيضاً: أن النظرة إلى قضية الرجل هي نظرة خاطئة أيضاً، لا فرق في ذلك، أو نقول إن النظرة إلى كيفية الجنسين وإلى هندسة موقع الجنسين هي نظرة خاطئة«.
***
أهميّة المرأة في الأسرة
يرى البعض أن العنصر المؤثر في التربية داخل الأسرة هو الأم، ويرى آخرون أنه الأب، بينما يتصور غيرهما أن البيت هو عنصر التربية الأوحد بكل تفاعلاته، ولكن مع ذلك فإن هناك عوامل أخرى مؤثرة في التربية خارج إطار البيت، فالمجتمع والمدرسة والإعلام كلُّ ذلك له دور مهم في التربية، إلا أن العلماء المختصين في مجال التربية أكدوا على أن البيت هو المؤثر الأول، وهو الأقوى في التأثير على الطفل، بحكم التصاق الطفل به، وقضائه أطول فترة من طفولته في داخله، وبحكم أنه أول من يتسلّم خامة الطفل ويؤثر في تشكيلها.
الإمام الخامنئي )دام ظله( في الحقيقة يجعل للأم الدّور الأبرز في التربية الأسريَّة فيقول:
»عندما تقوم الأسرة فإن الزوجة والأم هي العضو الأساس فيها. إن للمرأة في هذه المجموعة مكاناً أساسياً وسامياً. لذلك عندما يتزلزل أصل الأسرة هذا، أي المرأة، فلن يبقى أي شيء في مكانه فيها«.
***
بالنسبة لقضية المرأة التي ما زالت تطرح في العالم، فإن كلاماً كثيراً قيل فيها ويقال، وعندما ننظر إلى الخريطة الإنسانية للعالم والمجتمعات البشرية وإلى المجتمعات الإسلامية كبلدنا وسائر البلدان الإسلامية، وإلى المجتمعات غير الإسلامية، ومنها المجتمعات التي تعدّ متمدنة ومتطورة؛ للأسف فإننا نجد في كل هذه المجتمعات قضية باسم المرأة ما تزال موجودة.
هذا الأمر يدل على وجود نوع من النظرة المعوجّة والسيرة المعوجّة، ويحكي عن وجود نوع من قصر النظر تجاه القضايا الإنسانية. ويتبين أن البشر رغم كل ادعاءاتهم، ورغم كل الجهود التي قام بها المخلصون والمتحمِّسون، ورغم كل الجهود الثقافية الواسعة التي بذلت حول قضية المرأة خاصة؛ لكنهم حتى الآن لم يتمكنوا من العثور على صراط مستقيم وطريق صحيح لقضية الجنسين، ولقضية المرأة التي تتبعها قضية الرجل بشكل أو بآخر.
لعلّ بينكن أيتها السيدات من رأت أو قرأت الأعمال الأدبية والفنية لفنّانات العالم الموجودة بلغاتها الأصلية أو ما ترجم منها إلى اللغة الفارسية. فكل تلك الأعمال تتحدّث عن نفس المسألة التي تحدثنا عنها، مما يعني أن البشر لم يتمكنوا حتى الآن من حلِّ مسألة المرأة وما يتبعها من مسألة الجنسين المرأة والرجل، ومسألة الإنسانية.
وبعبارة أخرى: فإن الإسراف والتعامل المعوّج والفهم الخاطىء، وما ينتج عن ذلك من تعدِّيات وظلم وخواء روحي ومشاكل أسرة ومشاكل متعلقة بالاختلاط والامتزاج والعلاقات بين الجنسين، كل تلك الأمور ما تزال جزءاً من القضايا التي لم تحلها البشرية.
فالبشر الذين اكتشفوا الاجرام السماوية وغاصوا في أعماق البحار، ويتحدّثون عن أدق الأمور في علم النفس وبحوثه وعن القضايا الاجتماعية والاقتصادية وسائر الأمور، وبالفعل قد تقدّموا في الكثير من تلك العلوم، لكنهم ما زالوا عاجزين أمام هذه القضية! بحيث لو أردت أن أبيِّن هذا العجز بفهرسة عناوينه لاحتجت لزمان كبير«.




